مجمع البحوث الاسلامية

236

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الأولى تغليظ الإثم في قتل النّفس بغير قتل نفس ولا فساد في الأرض أتبعه ببيان أنّ الفساد في الأرض الّذي يوجب القتل ، ما هو ، فإنّ بعض ما يكون فسادا في الأرض لا يوجب القتل ، فقال : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ . . . الآية ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في أوّل الآية سؤال ، وهو أنّ المحاربة مع اللّه تعالى غير ممكنة ، فيجب حمله على المحاربة مع أولياء اللّه ، والمحاربة مع الرّسل ممكنة ، فلفظة المحاربة إذا نسبت إلى اللّه تعالى كان مجازا ، لأنّ المراد منه المحاربة مع أولياء اللّه ، وإذا نسبت إلى الرّسول كانت حقيقة ، فلفظ ( يحاربون ) في قوله : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ . . . يلزم أن يكون محمولا على المجاز والحقيقة معا ، وذلك ممتنع ، فهذا تقرير السّؤال . وجوابه من وجهين : الأوّل : أنّا نحمل المحاربة على مخالفة الأمر والتّكليف ، والتّقدير : إنّما جزاء الّذين يخالفون أحكام اللّه وأحكام رسوله ويسعون في الأرض فسادا كذا وكذا . والثّاني : تقدير الكلام إنّما جزاء الّذين يحاربون أولياء اللّه تعالى وأولياء رسوله كذا وكذا . وفي الخبر أنّ اللّه تعالى قال : « من أهان لي وليّا فقد بارزني بالمحاربة » . المسألة الثّانية : من النّاس من قال : هذا الوعيد مختصّ بالكفّار ، ومنهم من قال : إنّه في فسّاق المؤمنين ، أمّا الأوّلون فقد ذكروا وجوها : [ ثمّ ذكرها كما تقدّم ، عن ابن العربيّ وأضاف : ] والوجه الرّابع : أنّ هذه الآية نزلت في قطّاع الطّريق من المسلمين . وهذا قول أكثر الفقهاء ، قالوا : والّذي يدلّ على أنّه لا يجوز حمل الآية على المرتدّين وجوه : أحدها : أنّ قطع المرتدّ لا يتوقّف على المحاربة ولا على إظهار الفساد في دار الإسلام ، والآية تقتضي ذلك . وثانيها : لا يجوز الاقتصار في المرتدّ على قطع اليد ولا على النّفي ، والآية تقتضي ذلك . وثالثها : أنّ الآية تقتضي سقوط الحدّ بالتّوبة قبل القدرة ، وهو قوله : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ المائدة : 34 ، والمرتدّ يسقط حدّه بالتّوبة قبل القدرة وبعدها ، فدلّ ذلك على أنّ الآية لا تعلّق لها بالمرتدّين . ورابعها : أنّ الصّلب غير مشروع في حقّ المرتدّ وهو مشروع هاهنا ، فوجب أن لا تكون الآية مختصّة بالمرتدّ . وخامسها : أنّ قوله : الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . . . الآية ، يتناول كلّ من كان موصوفا بهذه الصّفة ، سواء كان كافرا أو مسلما . أقصى ما في الباب أن يقال : الآية نزلت في الكفّار ، لكنّك تعلم أنّ العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب . المسألة الثّالث : المحاربون المذكورون في هذه الآية هم القوم الّذين يجتمعون ولهم منعة ممّن أرادهم بسبب أنّهم يحمي بعضهم بعضا ويقصدون المسلمين في أرواحهم ودمائهم ، وإنّما اعتبرنا القوّة والشّوكة ، لأنّ قاطع الطّريق إنّما يمتاز عن السّارق بهذا القيد . واتّفقوا على أنّ هذه الحالة إذا حصلت في الصّحراء كانوا قطّاع الطّريق . فأمّا لو حصلت في نفس البلدة فقال الشّافعيّ رحمه اللّه : إنّه يكون أيضا ساعيا في الأرض بالفساد ،